ابن أبي أصيبعة

574

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

سنة وخمسمائة ثم خدم بعده العاضد لدين الله وهو أبو محمد عبد الله بن المولى بن أبي الحجاج يوسف بن الإمام الحافظ لدين الله ولم يزل في خدمة العاضد لدين الله إلى أن انتقل في التاسع من المحرم سنة سبع وستين وخمسمائة وهو آخر الخلفاء المصريين وخدمهم ونال في أيامهم من العطايا السنية والمنن الوافرة خمس خلفاء الآمر والحافظ والظافر والفائز والعاضد ثم لما استبد الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بالملك في القاهرة واستولى على الدولة كان يفتقد الشيخ السديد بالأنعام الكثير والهبات المتواترة والجامكية السنية مدة مقامه بالقاهرة إلى أن توجه إلى الشام وكان يستطبه ويعمل على وصفاته وما يشير به أكثر من بقية الأطباء ولم يزل الشيخ السديد رئيسا على سائر المتطببين إلى حين وفاته وكان يسكن في القاهرة عند باب زويلة في دار قد اعتني بها وبولغ في تحسينها وجرت عليه في أواخر عمره محنة وذلك أن داره قد احترقت وذهب له فيها من الأثاث والآلات والأمتعة شيء كثير جدا ولما تهدم بعضها من النار وقعت براني كبار وخوابي ممتلئة من الذهب المصري وتكسرت وتناثر فيما بعد الحريق والهدم منها الذهب إلى كل ناحية وشاهد الناس وبعضه قد انسبك من النار وكان مقدار ذلك الوفا كثيرة جدا وحدثني القاضي نفيس الدين بن الزبير إن الشيخ السديد كان قد رأى في منامه قبل ذلك بقليل أن داره التي هو ساكنها قد احترقت فاشتغل سره بذلك وعزم على الانتقال منها ثم أنه شرع في بناء دار قريبة منها وحث الصناع في بنائها وعند كمالها حيث لم يبق منها إلا مجلس واحد وينتقل إليها احترقت داره التي كان ساكنها وذلك في السادس والعشرين من جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين وخمسمائة والدار التي عمرها قريبا منها هي التي صارت بعده للصاحب صفي الدين بن شكر وزير الملك العادل أبي بكر بن أيوب وهي التي تعرف به الآن ونقلت من خط فخر الكتاب حسن بن علي ابن إبراهيم الجويني الكاتب في الشيخ السديد عند حريق داره وذهاب منفوساته يعزيه وكان صديقا له وبينهما أنس ومودة ( أيا من حق نعمته قديم * على المرؤوس منا والرئيس ) ( فكم عاف أعدت له العوافي * وكم عنا نضوت لباس بوس ) ( ويا من نفسه أعلى محلا * من المنفوس يعدم والنفيس )